الصالحي الشامي
355
سبل الهدى والرشاد
وخففت راياته بعد أن كانت ملوية ، وبعتاة أهل الأباطيل مطوية . وقد كان الشرك منذ أزمان في غاية الظهور ، والباطل هو المعمول به والمشهور ، فناسب أن يصرح بأذانه ، ويشدى به على غاية إعلانه ، ولما كانوا يشركون به سبحانه ، ويتعبدونه بسواه ، كان نسب الأمور البدائة بالتنبيه على تفرده بالكبرياء ، وتوحده بالعلاء ، فقال بادئا بالاسم الأعظم ، الدال على الذات ، المستجمع لجميع الكمالات : " الله " أي الملك الذي لا كف ء له ولا سمي ، ولا ضد ولا نظير ، وأتى بالخبر نكرة ليدل على إسناده إليه على الإطلاق ، وأنه لا خفاء في انفراده بذلك ، فقال : " أكبر " ولم يذكر متعلقا ، ذهابا بالتعميم إلى أعلى الغايات وأنهى النهايات ولما كان قد طال ما قرر الشرك في الأذهان ، وصال به أهل الطغيان ، اقتضى الحال تأكيد ذلك ، ولأجل هذا ثنى التكبير في الإقامة مع أنها فرادى . " ولما كان المراد من جميع كلمات الأذان مجرد الإعلام بالوقت وبهذه المقاصد المراد بها نسخ ما عداه ، قال مؤكدا من غير عطف لشئ من الجمل : " الله أكبر " . ولما كان الحال من جميع الأكوان شديد الاقتضاء ، لم يذكر التأكيد لتطاول أزمان الشرك قال ملذذا لأسماع الموجودات ، ومرويا لعطاش أكباد الكائنات : " الله أكبر " ، ولما تم تقرير ذلك في الأذهان ، وعلم علما تاما أن التوحيد قد علا ، وقهر جميع الأديان ، ارتقب كل سامع ما يقال بعده ، فقال مبتدئا دورا جديدا من هذا الإعلام لمزيد التقرير عند جميع الأنام : " الله أكبر " . " فلما علم أن ذلك إلى غير نهاية ، ولا حد تقف عنده كل غاية ، قال مترجما لما أنتجه ، ملقنا لكل سامع ما وجب عليه من الجواب ، مسرا بذلك بعض الأسرار ، إعلاما بما كان من حال هذا الدين في أول الأمر ، برهانا على حسن هذا التأكيد : " أشهد " أي أعلم علما قطعيا أني في مريد بصري كالناظر إلي محسوس هو في غاية الجلاء : " ألا إله إلا الله " . ولما كان المقام كما مضى شديد الاقتضاء للتأكيد قال ثانيا : " أشهد ألا إله إلا الله " . " فلما أخذ المقام حظه من التأكيد ، ولم يحتج إلى مزيد ، فتلقى ذلك بالقبول العبيد ، فثبتت رسالة الذي أتى بهذا الدين ، وجاهد به الجاحدين ، حتى قهرهم وحده صاغرين أجمعين ، قال على طريق النتائج المسلمة : " أشهد أن محمدا " - ذاكرا أشهر أسمائه وأطيبها وأظهرها - " رسول الله " ، مخصصا وصف الرسالة الذي هو بين الحق والخلق ، لأن المقام داع إليه ، ومقصور عليه ، ثم أتبع ذلك ما اقتضاه الحال من تأكيده في تعظيمه وتمجيده فقال : " أشهد أن محمدا رسول الله " . فلما أخذا المقام حظه من التأكيد للإعلام ، بما كان فيه للإسلام من الشدائد والآلام ، أتبعه ما اقتضاه الحال ، من رفع الصوت بهذا المقال مشيرا مع ذلك إلى أن باطن الدين وظاهره سواء . ليس فيه حقيقة تخالف شريعة ، وخاصة أن المتشرع به يجب